في بدايات أي مشروع، يكون هاجس “البقاء” هو المسيطر، مما يدفع رواد الأعمال إلى فتح الأبواب وقبول أي عميل مستعد للدفع. قد يبدو هذا منطقيًا في البداية لضمان التدفق النقدي، ولكن مع نضوج المشروع، تتحول هذه العقلية من محرك للنمو إلى عقبة رئيسية تهدد الجودة والربحية.
إن الاعتقاد بأن “كل مال هو مال جيد” يمثل فخًا إداريًا؛ فتكلفة التعامل مع العميل غير المناسب غالبًا ما تفوق العائد المادي منه، ليس فقط ماليًا، بل عبر استنزاف طاقة فريقك وإضاعة وقتك الثمين.
التكلفة الخفية للعميل “غير المناسب”
عندما تقبل عميلًا لا تتوافق توقعاته مع طبيعة خدماتك، أو عميلًا يستهلك وقتًا مبالغًا فيه في المفاوضات والتعديلات مقابل عائد منخفض، فأنت فعليًا لا تجني مالًا، بل تهدر موارد.
تظهر هذه الخسارة فيما يُعرف بـ “تكلفة الفرصة البديلة”: فالساعات التي يقضيها فريقك في محاولة إرضاء عميل لن يرضى أبدًا، هي نفس الساعات التي كان يمكن استثمارها في تطوير المنتج، أو خدمة العملاء المثاليين الذين يقدرون قيمتك الحقيقية ويدفعون مقابلها بسخاء.
الجودة أهم من الكمية: مبدأ باريتو في الإدارة
في عالم الأعمال، غالبًا ما يصدق مبدأ 80/20: حيث تأتي 80% من المشاكل والشكاوى من 20% فقط من العملاء. هؤلاء هم غالبًا الفئة المترددة في الدفع، كثيرة الطلب للاستثناءات، وغير الملتزمة بآليات العمل.
تكمن الحنكة الإدارية في تحديد هذه الفئة والتوقف عن استهدافها. فالتخلص من “العملاء المستنزفين” يحرر موارد مشروعك للتركيز على الشريحة التي تحقق النمو المستدام، والتي تكون دورة العمل معها سلسة ومربحة.
كيف تضع “فلاتر” ذكية قبل البيع؟
الحل لا يكمن في التوقف عن البيع، بل في “تأهيل العملاء” (Lead Qualification) قبل التعاقد. يمكنك تحقيق ذلك من خلال:
- وضوح الرسالة التسويقية: حدد بدقة من هو عميلك المثالي، ومن هو العميل الذي لا تخدمه.
- سياسة تسعير حازمة: السعر هو المصفاة الأولى؛ فالأسعار المنخفضة جدًا غالبًا ما تجذب العملاء الأقل جدية والتزامًا.
- رسم حدود العمل: توضيح نطاق الخدمة وما يعد “خارج النطاق” قبل توقيع العقد يفرز العملاء الجادين عن غيرهم.
النمو الحقيقي لا يعني أن يزدحم جدول أعمالك بالمواعيد، بل أن يمتلئ حسابك بأرباح صافية ناتجة عن عمل منظم مع عملاء يقدرون ما تقدمه. إن تعلم قول “لا” لبعض الفرص هو الخطوة الأولى لبناء مشروع لا يغرق في العمل، بل يزدهر وينمو بذكاء.