من أكثر اللحظات إحباطًا لأي رائد أعمال هي أن يرى تقارير التسويق بمؤشرات خضراء إيجابية، وتخبره المنصات الإعلانية أنه يحقق عوائد ممتازة، بينما واقعه المالي يقول عكس ذلك؛ حيث يجد حسابه البنكي يعاني من نقص السيولة رغم ارتفاع أرقام المبيعات.

هذا التناقض ليس لغزًا، بل هو نتيجة طبيعية للخلط الشائع بين “العائد على الإنفاق الإعلاني” (ROAS) وبين “صافي الربح الحقيقي” (Net Profit). فالاعتماد على المؤشر الأول دون تحليل الثاني هو أقصر طريق لاستنزاف ميزانيتك وأنت تظن واهمًا أن مشروعك يتوسع.

الفرق الحاسم بين الدخل والربح

منصات الإعلانات مصممة لتركز على الأرقام التي تهمها هي: كم دفعت، وكم حققت من مبيعات إجمالية (Revenue). فإذا أنفقت 1000 ريال وحققت مبيعات بقيمة 5000 ريال، ستخبرك المنصة بزهو أنك حققت عائدًا قدره (5x)، وهو رقم يبدو ممتازًا على الورق.

لكن المنصة لا تأخذ في الحسبان تكلفة منتجك، ولا رسوم الشحن وبوابات الدفع، ولا رواتب فريقك أو تكاليف التخزين. وعندما تخصم هذه المصاريف من الـ 5000 ريال، قد تكتشف أنك فعليًا لم تربح شيئًا، أو الأسوأ: أنك دفعت من جيبك لإتمام هذه البيعات.

فخ “التوسع” على هوامش ربح سلبية

يكمن الخطر الحقيقي عندما تقرر “توسيع” نطاق الحملة (Scaling) استنادًا إلى هذه الأرقام الظاهرية. فزيادة الميزانية في حملة ذات هامش ربح صافٍ سلبي أو ضئيل لا تعني مضاعفة الأرباح، بل تعني ببساطة “مضاعفة الخسائر” وتراكمها بسرعة أكبر.

قبل ضخ المزيد من المال، يجب أن تحدد بدقة “نقطة التعادل للعائد الإعلاني” (Break-even ROAS). وهو الرقم الذي يضمن تغطية كافة تكاليفك التشغيلية والإدارية، وليس تكلفة المنتج فحسب.

كيف تقرأ أرقامك بشكل صحيح؟

لحماية مشروعك من هذا الوهم، توقف عن التعامل مع التسويق كجزيرة منعزلة عن الإدارة المالية. ابدأ بحساب “صافي الربح لكل طلب” (Net Profit per Order) بعد خصم تكلفة الاستحواذ على العميل (CPA).

إذا كانت تكلفة الاستحواذ تلتهم هامش ربحك بالكامل، فأنت لا تبني مشروعًا تجاريًا، بل تعمل فقط على تدوير الأموال لصالح المنصات الإعلانية وشركات الشحن. يجب أن يتحول تركيزك من مجرد “جلب مبيعات” إلى “جلب أرباح”.

الخلاصة: الحقيقة في البنك، لا في لوحة التحكم

الأرقام الكبيرة في لوحات التحكم قد تكون مغرية، لكنها غالبًا ما تكون خادعة. النجاح الحقيقي لا يُقاس بإجمالي المبيعات، بل بما يتبقى في خزينة الشركة بعد سداد كافة الالتزامات. راجع هيكل تكاليفك بدقة، ولا تدع مصطلحات التسويق البراقة تحجب عنك حقيقة الأداء المالي لمشروعك.