في بداية أي مشروع، نتمسك غالبًا بقاعدة “العميل دائمًا على حق”، ونميل كأصحاب أعمال لقبول أي طلب أو تعديل لضمان استمرار العمل وتوفير السيولة. نكيّف خدماتنا، ونغيّر إجراءاتنا، ونقدم استثناءات لا حصر لها لإرضاء كل عميل على حدة. ولكن، ما يبدو في البداية ميزة تنافسية تحت اسم “المرونة”، يتحول مع الوقت إلى العائق الأكبر أمام استقرار المشروع وقدرته على التوسع.
وهم “الخدمة المفصلة” وتأثيره على الجودة
يظن كثير من رواد الأعمال أن تلبية كل رغبات العميل الخاصة هو قمة الاحترافية. لكن الحقيقة أن التخصيص المفرط (Over-customization) لكل عملية بيع يعني أن فريقك يعيد بناء العمل من الصفر في كل مرة. حين يصبح كل مشروع “حالة استثنائية”، تغيب المعايير الثابتة، وتزيد احتمالية الأخطاء، ويستحيل ضمان جودة موحدة. العميل لا يبحث عن كلمة “نعم” دائمًا، بل يبحث عن نتيجة مضمونة؛ والنتائج المضمونة تأتي من العمليات المدروسة والمكررة، لا من الارتجال المستمر.
لماذا تمنعك المرونة من التوسع؟
النمو (Scaling) يعتمد بشكل أساسي على التكرار. لا يمكنك توسيع نشاط يعتمد على تدخلك الشخصي في كل تفاصيل العمل لمجرد أن العميل طلب تعديلًا خاصًا. إذا كانت خدماتك تتشكل بالكامل حسب طلب العميل، فأنت تبيع “وقتك” لا “نظامك”. الشركات القابلة للنمو هي التي تحول خدماتها إلى “خدمات مُمنتجة” (Productized Services) واضحة المعالم، ليستطيع أي موظف تنفيذها بنفس الكفاءة دون الحاجة لتدخل إداري في كل خطوة.
قوة “اللاءات” الاستراتيجية
النجاح في مراحل نمو المشروع لا يكمن فيما توافق عليه، بل فيما ترفضه. تحديد نطاق عملك بوضوح، والاعتذار عن الطلبات التي تخرج عن مسارك التشغيلي، ليس تعاليًا، بل هو حماية لموارد مشروعك. عندما تقول “لا” لطلب معقد خارج تخصصك، فأنت تقول “نعم” لتركيز فريقك على ما يتقنه بامتياز، مما يرفع الكفاءة والربحية.
التحول من الورشة إلى المصنع
تعامل مع مشروعك كخط إنتاج، حتى لو كنت تقدم خدمات إبداعية. هل يمر كل طلب بمسار مختلف؟ أم أن هناك نظامًا واضحًا يسير عليه الجميع؟ الخروج من فوضى “ننفذ كل شيء” إلى منهجية “نقدم هذا الحل المحدد لهذا الجمهور المحدد” هو ما يمنحك القدرة على توقع الإيرادات، وضبط التكاليف، وبناء سمعة تقوم على التخصص العميق بدلاً من التشتت.